|
في دائرة الضوء
سياسة هدم المنازل
تمهيد
يعتبر هدم المنازل أحد أبرز الممارسات اللاإنسانية، التي انتهجتها قوات الاحتلال الأجنبية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث كان البريطانيون أول من لجأ لهذه السياسة، كنمط من أنماط العقوبات الجماعية خلال انتدابهم على فلسطين. كما لجأوا لهذه السياسة أيضا بمواجهة غير الفلسطينيين من شعوب المستعمرات الأخرى، كما هو الحال في جنوب إفريقيا وإيرلندا.
دأبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب احتلالها للأرضي الفلسطينية عام 1967، على اتباع سياسة هدم المنازل. وفي سياق هذه السياسة، تم هدم الكثير من المنازل الفلسطينية تحت ذرائع متعددة، منها: الذرائع الأمنية، أو قرب هذه المنازل من المستعمرات، أو لوقوعها بمحاذاة الطرق الالتفافية، أو بدعوى البناء دون ترخيص، أو لمخالفتها شروط سياسة السلطات الإسرائيلية للإسكان.
انتهجت قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة هدم المنازل أو إغلاقها، كلياً أو جزئياً، على نطاق واسع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كعقاب بمواجهة الأشخاص الذين تتهمهم بارتكاب مخالفات، أو يشتبه بارتكابهم مخالفات. استهدفت هذه السياسة تحديداً منفذي العمليات داخل إسرائيل، أو ضد مستوطنين، أو جنود في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما تقوم قوات الاحتلال بهدم منازل في أحيان كثيرة لمجرد تواجد شخص تدعي أنه مطلوب لديها في المنزل المقصود، بغض النظر عن معرفة أو علم صاحب المنزل بوضع هذا الشخص.
تستند قوات الاحتلال الإسرائيلي في سياسة هدم المنازل التي تتبعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة على مضمون المادة 119 (1) من قانون الدفاع الانتدابي البريطاني (الطوارئ) لعام 1945، رغم إلغاء الحكم البريطاني لهذه القوانين لحظة انتهاء فترة انتدابه على فلسطين. ومع أن هذا القانون يتناقض مع القانون الدولي، إلا أن المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض بإصرار اعتبار سياسة هدم المنازل العقابية عقوبة جماعية غير قانونية.
مست هذه السياسة آلاف المنازل والأشخاص منذ عام 1967. وقد رفعت السلطات الإسرائيلية من وتيرة هذه السياسة الجائرة منذ بداية الانتفاضة الثانية، وتجلى ذلك في هدم أكثر من 350 منزلاً بأوامر عسكرية في الضفة الغربية خلال هذه الانتفاضة، ونتيجة لذلك أصبح حوالي 2455 فلسطيني دون مأوى.
وعند نية قوات الاحتلال هدم منزل فغالباً ما تقوم بذلك دون إشعار مسبق، وتعطي أصحاب البيت مدة 15 دقيقة في أحسن الحالات؛ لكي يخرجوا أشياءهم من المنزل قبل هدمه. وهذا الوقت لا يكفي إلا لإخراج أوراقهم الشخصية ونقودهم. وما يزيد من معاناة العائلات التي يتم هدم منازلها بشكل كلي عدم السماح لها بإعادة بناء منازلها في نفس موقع المنزل المهدوم.
إضافة إلى الخسارة المادية فإن هدم المنازل يتسبب في معاناة نفسية جسيمة، فالمنزل لا يمثل مجرد بناء يأوي الإنسان فقط، بل يشكل قيمة إنسانية وشخصية عظيمة لمعظم الناس، حيث يحوي البيت تراث عائلة بأكملها، وفيه يحتفظ المرء بأشيائه الحميمة وذكرياته، التي لا تنسى مدى الحياة. وفي تعليقه على الحق في سكن مناسب، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في سكن مناسب أن هدم المنازل يؤدي إلى تمزيق وشائج النسيج الاجتماعي، كما يؤدي بشكل خاص إلى تأثيرات نفسية خطيرة على أفراد العائلة، بما فيهم الأطفال.
القانون الدولي الإنساني
تشكل سياسة هدم المنازل التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكاً جسيماًً فاضحاً وصريحاً للقانون الدولي الإنساني، حيث تحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب تدمير الممتلكات الشخصية، بالنص على ما يلي: " يحظر على دولة الاحتلال تدمير أي ممتلكات خاصة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات التعاونية إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير." وبما أن مثل هذا التدمير يحصل عادةً بعد قتل "المطلوب" فإنه يعتبر انتقاماً، لا تبرره الضرورة الحربية، وخصوصاً أن بعض المنازل يتم هدمها على الرغم من عدم تواجد من تدعي سلطات الاحتلال أنه مطلوب فيها.
يعتبر هدم المنازل نمطاً من أنماط العقوبات الجماعية، التي تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة والعرف الدولي، حيث تنص المادة 33 من الاتفاقية على ما يلي: "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً". هذا الحظر منصوص عليه أيضاً في المادة رقم 50 من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، حيث حظرت أحكام هذه المادة فرض عقوبات على أشخاص لا يمكن اعتبارهم "مشتركين فعلياً في المسؤولية" عن الفعل الذي فرضت العقوبة من أجله. وهناك إجماع على أن أحكام اتفاقية لاهاي تشكل أعرافاً دولية، ما يفرض على جميع الدول احترامها.
وعلاوة على ذلك فإن سياسة هدم المنازل التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلية تشكل انتهاكاً لثلاثة مبادئ أساسية في القانون الدولي الإنساني، وهي: مبدأ وجوب معاملة الشخص المحمي بإنسانية في كل الأوقات، ومبدأ التناسبية، ومبدأ وجوب التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية تحت جميع الظروف.
وقد طالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إسرائيل سنة 1996 بوجوب "أخذ كل الإحتياطات الواجبة في العمليات العسكرية، التي تهدف لفرض النظام؛ وذلك من أجل تجنيب المدنيين والممتلكات الخاصة أي أذى أو ضياع أو ضرر". كما طالبتها بمراعاة " مبدأ التناسبية في كل الإجراءات المتخذة تحت جميع الظروف[1].
ومن جانب آخر تشكل سياسة هدم المنازل العقابية انتهاكا جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة، حيث اعتبرت المادة 147 من الاتفاقية تدمير ومصادرة الملكية للأشخاص المحميين انتهاكاً جسيماً، إذا لم يكن مبرراً بالضرورة الحربية، وأقتُرف بصورة غير قانونية ومتعمدة. إن توصيف سياسة هدم المنازل العقابية كجريمة حرب منصوص عليه أيضاً في أنظمة المحكمة الجنائية الدولية، التي تملك صفة تمثيلية لا يمكن تجاهلها، وتعكس تطوراً حديثاً في القانون الجنائي الدولي، إذ أن المادة 8 (2) (ا) (iv) من أنظمة المحكمة تعتبر تخريب وتدمير الممتلكات ومصادرتها على نطاق واسع وعلى وجه غير مبرر بالضرورة الحربية جريمة حرب.
قانون حقوق الإنسان الدولي.
تنتهك سياسة هدم المنازل أيضاً العديد من البنود الأساسية من قانون حقوق الإنسان الدولي، مثل حق الفرد في عدم تجريده من ملكيته بشكل تعسفي، وعدم تعريضه للتدخل التعسفي في خصوصيته وعائلته وبيته ومراسلاته، المنصوص عليها في بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
كما تعتبر هذه السياسة خرقاً خطيراً لحق الأفراد في سكن مناسب، الذي نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتشكل كذلك انتهاكاً للعديد من بنود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وخصوصاً حق الفرد في حرية اختيار مكان الإقامة، وحقه في عدم تعرضه للتدخل التعسفي في خصوصيته وعائلته وبيته ومراسلاته، وحقه في الحماية المتساوية من قبل القانون دون تمييز.
إضافةً إلى ذلك، وكما أكدت لجنة الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة التعذيب، فإن سياسة هدم المنازل العقابية تعتبر شكلاً من أشكال المعاملة القاسية وغير الإنسانية والحاطة بالكرامة، ما يمثل انتهاكاً سافراً للمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية.
القانون الإسرائيلي
ترفض المحكمة الإسرائيلية العليا اعتبار سياسة هدم المنازل سياسة عقاب جماعي. تم شرح هذا الرفض بالتفصيل في كتاب (دوغلاس وآخرون. "الحكم العسكري للضفة الغربية")، حيث أصدرت المحكمة ما يلي في ردها على أحد القضايا المرفوعة أمامها:
لا يوجد أساس للشكوى التي تقدم بها الملتمس بأن هدم المنازل هو عقوبة جماعية. من وجهة نظرهم فإنه يتوجب معاقبة الإرهابيين والمجرمين أنفسهم فقط، بينما يعاقب هدم المنازل أفراداً آخرين في العائلة حيث سيتركون بلا مأوى. إن مثل هذا التحليل، إذا تقبلناه نحن، سيفرغ الأنظمة المذكورة أعلاه من محتواها ولا يترك مجالاً إلا لمعاقبة الإرهابي الذي يعيش بمفرده[2].
في الوقت الذي تعترف فيه المحكمة في حالات قليلة بالتبعات الثقيلة، التي تقع على كاهل عائلات الأشخاص "المطلوبين"، إلا أنها تعتبر ذلك مبرراً في ضوء الضرورة العسكرية القصوى.
وفقاً لتقديرات منظمة العفو الدولية فقد تم تدمير ما يقارب 169 بيتاً تحوي 374 وحدة سكنية تدميراً كاملاً في مخيم جنين في الضفة الغربية أثناء عملية "السور الواقي"، التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في نيسان عام 2002 في الضفة الغربية. بينما تعرضت منازل أخرى للتدمير الجزئي في المخيم ذاته. وخلال المرافعات التي جرت رداً على التماس تم تقديمه خلال تلك الحملة اعترفت دولة الاحتلال أنها دمرت بعض المنازل أثناء تواجد السكان بداخلها في بعض الأحيان. ورغم هذا الإقرار إلا أن المحكمة أوردت في قرارها بأن السلطات الإسرائيلية، "وخلافاً للادعاءات التي قدمت إلينا، قد أصدرت وستستمر في إصدار أوامر لقواتها المقاتلة بأن تقوم بكل ما يلزم لتجنب إمكانية التسبب بأي ضرر للأبرياء"[3].
تتناقض سياسة هدم المنازل التي تتبعها قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر مع مبادىء القانون التي تنص على أن المسؤولية الجنائية هي مسؤولية شخصية، حيث أن العقوبة يجب أن تفرض على الجاني فقط بعد أن يأخذ القانون مجراه. في آب عام 2002 ألغت المحكمة الإسرائيلية العليا حق الشخص الذي يهدم بيته من التقدم للمحكمة إذا كان قرار الهدم صادر عن الحاكم العسكري[4]. ومن الملفت للنظر أن الدولة طالبت في هذه المحاكمة بعدم السماح حتى بإرسال إشعار بالهدم لسكان المنزل:
إن إرسال مثل هذا الإشعار أثناء عملية عسكرية محتملة على أرض العدو من شأنه أن يعرّض حياة جنودنا لخطر حقيقي، وقد يهدد إمكانية نجاح العملية. وكما هو واضح فإن ذلك سيمكن العدو من وضع مواد متفجرة داخل المنازل المنوي تدميرها ونصب كمين للقوات التي قد تصل إلى هناك وهكذا. إن مثل هذه الظاهرة قد حدثت في الأشهر الأخيرة وفي مختلف الأمكنة في المناطق المحتلة.لهذه الأسباب، وكقاعدة، يحظر على أي قوة عسكرية، تقوم بعمليات عسكرية في أرض العدو، أن ترسل تحذيراً مسبقاً عن نشاط تنوي تنفيذه، حيث من شأن ذلك أن يعرض حياة جنود هذه القوة لخطر حقيقي كما سيعرض العملية للفشل[5].
من الواضح أن المحكمة العليا لم تُتِح للفلسطينيين وسائل كافية للإنصاف فيما يخص الانتهاكات الخطيرة في هدم المنازل.
[1]. ICRC, “ Israel, the Occupied and Autonomous Territories: ICRC Calls for Restraint”, 27/09
[2]. HCJ 698/85, Daghlas, et al. v Military Commander of the West Bank, P.D. 40 (2) 42.
[3]. HCJ 2977/02, Adalah, et al. v Military Commander of the West Bank.
[4]. HCJ 6696/02, Amar, et al. v Military Commander of eth West Bank.
[5]. Ibid at para. 2
مصادر أخرى
* Al-Haq, Israel’s Punitive House Demolition Policy - Collective Punishment in Violation of International Law, 2003
* Amnesty International, Demolition and Dispossession: The Destruction of Palestinian Homes, December 1999
* B'Tselem, Demolition and Sealing of Houses in the West Bank and the Gaza Strip as a Punitive Measure During the Intifada, September 1989
* Palestinian Centre for Human Rights, Demolition of Palestinian Houses by Israeli Occupying Forces as a Means of Punishment and Determent: A Report on the Demolition of Houses of Families of Palestinians Who Carried out, Planned or Facilitated Armed Attacks against Israeli Targets, 10 January - 30 June 2003
* Report of the Special Rapporteur on Adequate Housing as a Component of the Right to an Adequate Standard of Living, Mr. Miloon Kothari, on His Visit to the Occupied Palestinian Territories, 10 June 2002
|