|
في دائرة الضوء
القيود على حرية الحركة
تمهيد
تعتبر الإغلاقات وحظر التجول التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة من أكثر العوامل التي تقيد حركة وتنقل المدنيين الفلسطينيين، وتعرقل حياتهم اليومية، وتصادر حقهم في التنقل بحرية. يمكن تصنيف الإغلاقات المفروضة على الأراضي الفلسطينية إلى ثلاثة أشكال، هي: الإغلاق الشامل، والإغلاق العام، والإغلاق الداخلي.
خضعت الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الانتفاضة الحالية للإغلاق الشامل. فقد قامت سلطات الاحتلال بإلغاء جميع التصاريح، التي يحملها بعض الفلسطينيين، وتخولهم بدخول إسرائيل والقدس الشرقية. وبذلك بدأ الفلسطينيون يواجهون صعوبات جمة في مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً أن التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة والقدس الشرقية من جهة أخرى محظور على الفلسطينيين كافة.
مع بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، فرضت دولة الاحتلال الإسرائيلي إغلاقاً عاماً على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أصبح لزاماً على الفلسطينيين الحصول على تصاريح من السلطات العسكرية الإسرائيلية؛ للدخول إلى إسرائيل. وفي عام 1972 أصدرت إسرائيل تصريحاً عاماً يسمح بموجبه لمعظم الفلسطينيين دخول إسرائيل. ولكن هذا التصريح ألغي سنة 1991، أثناء حرب الخليج. وتم التأكيد على إلغائه عام 1993، حيث أضحى حق الفلسطينيين في مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة ودخول إسرائيل والقدس الشرقية يخضع للكثير من القيود، وأصبح يعتمد على تصاريح خاصة تصدرها سلطات الاحتلال الإسرائيلي. منذ عام 1993 أصبحت الأراضي الفلسطينية المحتلة مقسمة بصورة فعلية إلى ثلاث مناطق منفصلة، هي: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، حيث بقيت هذه المناطق معزولة عن العالم الخارجي.
ترافق الإغلاق العام مع إغلاق داخلي، حرم الفلسطينيين من التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية. وقد ترك هذا الإغلاق آثاراً مدمرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة على أكثر من صعيد. ويعتبر الإغلاق الداخلي من نتاج سنوات أوسلو(1993-2000).
يتمثل الإغلاق في فرض قيود على الحركة والتنقل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال إقامة حواجز، ونقاط تفتيش، وإغلاق الطرق بين المدن والبلدات والقرى وحولها؛ بهدف وقف الحركة من والى المناطق المحاصرة. خضعت كل المدن ومعظم القرى والبلدات في الضفة الغربية وقطاع غزة للإغلاق الداخلي خلال الانتفاضة الحالية. بدأ الإغلاق الداخلي بسلسلة من نقاط التفتيش والحواجز منتشرة على الطرق في الضفة الغربية وغزة، ولكن أصبح الإغلاق خلال الانتفاضة الحالية أشد صرامة، وأخذ شكلاً رسمياً بدرجة أكبر، وتحول إلى نظام ثابت يتم من خلاله إخضاع الفلسطينيين لإجراءات تعيق تنقلهم وتعرقل حرية حركتهم، عوضاً عن التنكيل والإذلال اليومي، الذي يتعرض له هؤلاء على نقاط التفتيش. وابتداءً من عام 2002، بدأت سلطات الاحتلال العمل بنظام تصاريح جديد، حيث أصبح لزاماً على فلسطينيي الضفة الغربية الحصول على تصاريح تصدرها سلطات الاحتلال؛ للتنقل من مدينة إلى أخرى. أثرت هذه القيود الجديدة سلباً على مختلف جوانب الحياة الفلسطينية، التعليمية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، حيث أصبح لزاماً على آلاف المدرسين والتجار ورجال الأعمال وغيرهم من الفئات العاملة، أو من يقيمون في مدن غير مدنهم وقراهم استصدار هذه التصاريح. إن من شأن هذه القيود أن تساهم في تدمير الاقتصاد الفلسطيني، كما أنها تعيق حركة الطواقم الطبية والمرضى والمصابين، وتحول دون وصولهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية، وقد نتج عن ذلك بعض حالات الموت. يعتبر سكان القرى النائية أكثر المتضررين من هذه الإجراءات.
خلال شهري آذار وحزيران عام 2002 خضعت مدن رام الله، وبيت لحم، ونابلس، وجنين، وطولكرم، والخليل، وقلقيلية لحظر تجول طويل الأمد، حيث لم يسمح للمواطنين بالخروج من بيوتهم إلا لفترة قصيرة تتراوح بين ساعتين إلى أربع ساعات كل ثلاثة أو أربعة أيام؛ ليتمكنوا من شراء الغذاء. يتم فرض حظر التجول بالقوة العسكرية، حيث ينتشر جنود احتلال، ودبابات وقناصة في المناطق الخاضعة لحظر التجول، ويتعرض من يخرق الحظر للاعتقال أو القتل. بعد انتهاء عملية "السور الواقي" العسكرية تم رفع حظر التجول في كثير من المدن الفلسطينية، ولكن عاودت قوات الاحتلال إلى دهم المدن الفلسطينية ابتداءً من 18 حزيران 2002، وفرضت حظر التجول عليها مرة أخرى. بعد حزيران 2002 بقي حظر التجول مفروضاً على معظم المدن حتى بدايات عام 2003. وبقي الحظر بعد ذلك يفرض على المدن والقرى على أساس دائم.
إضافة إلى ذلك فقد شكل جدار الضم، الذي شرعت دولة الاحتلال ببنائه خلال العامين المنصرمين في الضفة الغربية، عبئاً كبيراً على حركة الفلسطينيين، حيث عزل الجدار المدن الفلسطينية، ومنع السكان من الوصول إلى مزارعهم، ومدارسهم، وأماكن عملهم، والمستشفيات، والمراكز الصحية، ومن المشاركة في المناسبات الاجتماعية والدينية.
معطيات وحقائق
* خضعت مدينة الخليل لمنع التجول لمدة 29 يوماً خلال شهر كانون ثاني 2003. لم يسمح للمواطنين مغادرة منازلهم لمدة 15 يوماً منها، ولو لساعة واحدة لشراء حاجياتهم.
* هناك ما يقارب 70 نقطة تفتيش منتشرة في الضفة الغربية و7 نقاط في قطاع غزة.
* هناك حوالي 102 حاجزاً إسرائيلياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
* كانت الرحلة مابين الخليل ورام الله تستغرق ساعة ونصف قبل قيام قوات الاحتلال بنصب الحواجز ونقاط التفتيش، بينما تستغرق الآن من 3-4 ساعات. ويقول بعض المواطنين أنها كانت تستغرق بين 4.5-5 ساعات في عام 2003.
القانون الإنساني الدولي
يجب أن نؤكد على أن الحق في الحركة والتنقل حقاً مطلقا. تشكل المادة رقم 27 من اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب جوهر الاتفاقية، حيث تطالب باحترام إنسانية الفرد، والامتناع عن انتهاك الحقوق الأساسية على اعتبار أن هذه الحقوق غير قابلة للانتهاك. ولكن هذه المادة تسمح بفرض قيود على الحقوق والحريات إذا اقتضت الضرورة الحربية. وقد جاء في تقرير المنظمة الدولية للصليب الأحمر بأنه لا يوجد أي تحديد للإجراءات الأمنية حتى تعتبر عملاً شرعياً يمكن للدولة فعله أوقات الطوارئ، ما يترك مجالاً واسعاً لأطراف الصراع للحد من الحقوق وتقيدها. ولكن التقرير يؤكد أن الأمر الجوهري يتمثل في:
عدم تأثير القيود المفروضة على الحقوق الأساسية للشخص المعني، واحترام تلك الحقوق حتى إذا كانت القيود مبررة.1
لهذا فان لإسرائيل الحق بموجب القانون الدولي أن تفرض قيوداً محدودة على حرية الفلسطينيين، إلا أن فرض أي من هذه القيود يجب أن يكون مبرراً، كما يجب أن لا يحرم الفلسطينيين من حقوقهم الأخرى.
من الجدير ذكره أيضاً أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر حينما أطلقت برنامج إغاثة متضرري الإغلاق أكدت على أن سياسة الإغلاق تنتهك القانون الإنساني الدولي، لأن قرى كثيرة تخضع للحصار لفترة طويلة، كما أن هذه السياسة تؤدى إلى خرق العديد من أحكامه. أكدت اللجنة بشكل خاص على أن الإجراءات التي تتخذ لأهداف أمنية يجب أن تتوافق مع القانون الإنساني الدولي، كما يجب أن تسمح بالعودة السريعة للحياة المدنية الطبيعية.
يعتبر الحد من حرية الحركة بشكل شامل انتهاكاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر بشكل قاطع استخدام العقوبات الجماعية، أو أي وسيلة للتهديد والإرهاب ضد السكان المدنيين. إن هذه الإجراءات محظورة حتى لو كان الهدف من ورائها هو منع الناس من ارتكاب عمل عدواني.
قانون حقوق الإنسان الدولي
يسمح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بفرض قيود معينة على الحركة والتنقل إذا كان ذلك ضرورياًَ لحماية الأمن القومي وحفظ النظام، والمحافظة على الصحة العامة والآداب العامة، أو لحماية حقوق الآخرين بطريقة تتلاءم مع الحقوق، الأخرى المعترف بها في العهد. إن المصطلح المحوري في هذا التحديد هو "الضرورة"، فإذا وجدت الدول انه من الضروري فرض القيود على حرية حركة الأفراد فيجب عليها:
أن تسترشد دائما بالمبدأ القائل بأن القيود يجب أن لا تمس جوهر الحق، حيث يجب عدم قلب العلاقة ما بين الحق والقيود، مابين القاعدة والاستثناء، فالقوانين التي تخول تطبيق القيود يجب أن تستخدم المعايير المحددة كما يجب أن لا يتسمح بحرية تصرف غير مقيدة لأولئك المكلفين بتنفيذ الأوامر3.
علاوة على ذلك فإن أي قيد يتم فرضه على حرية الحركة يجب أن يكون متناسباً مع الخطر الكامن. كما يجب أن لا تكون القيود المفروضة تميز بين شخص وآخر، أو أن تنتهك أياً من الحقوق الأخرى المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لذا، فإنه يمكن لسلطات الاحتلال الإسرائيلي- بموجب القانون وفي ظروف معينة- أن تحد من حرية حركة الأشخاص المحميين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن الإغلاقات السابقة والحالية التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، لأنها تتضمن انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. وقد تم تشريع ومأسسة القيود، التي تفرضها دولة الاحتلال الإسرائيلي على حرية حركة الفلسطينيين حتى تصبح أمراً واقعاً، بحيث يضحي حق حرية الحركة امتيازاً تمنحه لمن تشاء. إضافة إلى ذلك، فإن هذه القيود لم تكن تناسبيه، بل تؤثر على كل الفلسطينيين بغض النظر عن هويتهم. وغالباً ما تفرض كعقوبة جماعية. إضافة لذلك فقد كانت القيود المفروضة على مناطق معينة عنصريةً، كما هو الحال في مدينة الخليل، حيث أجبر الفلسطينيون في المدينة على العيش تحت حظر التجول، بينما سمح للمستوطنون الإسرائيليون الذين يعيشون في نفس المنطقة بالتجول في المدينة بحرية. إجمالاً فان القيود التي تفرضها دولة الاحتلال الإسرائيلي على حرية حركة الفلسطينيين تعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان الفلسطيني، وقد أدت إلى انتهاك لحقوق الإنسان الفلسطيني في كل المجالات الأخرى، سواء كانت حقوقاً مدنية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية.
القانون الإسرائيلي
حينما يتم رفع بعض القضايا الخاصة بالقيود على حرية الحركة أمام محكمة العدل العليا، الإسرائيلية فان المحكمة غالباً ما ترد الدعوى وترفض التدخل. وقد ظهر هذا الأمر في قضية الشوا التي رفعت ضد الحاكم العسكري في غزة، حيث تم في تلك القضية رفع الدعوى للنظر في شرعية فرض حظر التجول على قطاع غزة بأكمله. وقد أصرت المحكمة في تلك القضية على عدم جواز فرض حظر التجول كإجراء عقابي، إلا أنها رفضت الالتماس بحجة أنها لا تستطيع التدخل في اعتبارات الحكم العسكري الأمنية.
مصادر أخرى
* Al-Haq, Death Traps: Israel’s Use of Force at Checkpoints in the West Bank, 2002
* Al-Haq, “Restrictions on Movement,” In Need of Protection, 2002
* Amnesty International, Surviving Under Siege: The Impact of Movement Restrictions on the Right to Work, 2003
* B’Tselem and Physicians for Human Rights - Israel, Medical Personnel Harmed: The Delay, Abuse and Humiliation of Medical Personnel by Israeli Security Forces, 2003
* Palestine Red Crescent Society, Curfew Tracking Slides, ongoing
1 تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر: اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، (جنيف، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1958 )ص207.
3 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التعليق العام 27، وثائق المم المتحدة CCPR/C/21 Rev. 1/Add.9, 2/11/1997 الفقرة رقم 14 .
|